2 – رسول

PDF

صورة رسول

قد يكذب اللسان  بكلام مثالي لنرضى عن انفسنا و ربما  ليرضى عنا من  حولنا .

يأتي هذا النوع من الاقوال  في منطقة الدين و الاخلاق و تقاليد المجتمع و توقعات الاخرين منا  و توقعاتنا من الاخرين .

واحده من صعوبات طفولتي و مراهقتي كانت في  لفظ في اللسان لم يستقر  وقتها في القلب

كانت صعوبتي في منطقة ..حب الرسول ..  كنت احبه ويسعد قلبي لسيرته ..لكني اتحاشى القول انه اغلى مخلوق في قلبي .

كنت  صغيرة و اعاني غموض مفهوم الحب ككل … و على الأخص ..  غموض نوع  وحجم هذا الحب المطلوب مني للرسول الكريم

هذا الغموض الذي يجليه وضوح القلب لا اللسان…..ويحتاج مني  مسيرة  تقصي  للوصول الى يقين  القلب .

مسيرة تقصي حقيقة حب الرسول و غيرها من الحقائق   كانت تواجه تحديات شخصية … ذلك اني لا اشبه الصورة  الذهنية التي تختزل الباحثين عن الحقيقة و المحبين الله وفي الله .. في صورة بالغة المثالية خيالية .. تحتكر  المتأملين متقصي الأعماق والحقائق في نموذج جاد جدا وصارم ..بوسم لهم معروف يتضح في  غلافهم  وسلوكهم الظاهري ، كنت طفلة ثم مراهقة.. هادئة الصوت و الكلام ..صاخبة الأفعال ..عاشقة للموسيقى والغناء والرقص والأفلام  والازياء والرسم  والقراءة ..رغم خجلي والهدوء مستقلة التفكير والتصرف على نحو ملموس ،

أمارس قناعاتي رغم الاعتراضات والانتقادات  من خارج اسرتي  المنصبة اكثر على كوني :

( اللبس ما يعجبني   و ليس  ما يعجب  الناس .. و لا  اغطي وجهي كما هو مألوف في محيطي )

كنت و ما زلت   ناسكة  القلب و الروح …. صاخبة العقل و الحواس

حتى نهاية مراهقتي .. لم تنحج المدرسة  بكل مناهجها الدينية المختزلة ..ولا وسطي الديني المعتدل السمح  الذي  نتشرف فيه   بقرابتنا  ل إمام ديني كبير من أقرباء امي  …. كما اني قارئة نهمة من الطفولة و متابعة للبرامج  التلفزيونة الجادة الأكبر من عمري

كل ذلك لم  تنجح في اقناعي .. كيف احب الرسول اكثر من امي …

بأعتبار  امي هي معيار الحب الأقصى في حياتي و تتقدم بمراحل كثيره على حبي لنفسي .

ما حصلت عليه وقتها من معرفة لم تقنعني ..و استشهاد الكـــّتاب  والدعاة  بالصحابة والتابعين الذين احبوا  الرسول

كان بالنسبة لي مبرر ..لأنهم  أبصروه  و جالسوه و  عرفوا من كريم خلقه و دلائل نبوته  ما يجعلهم يقدموه على الروح . .

اما انا فبصوت الطفلة كنت احدث نفسي   كيف لي ان احب أكثر من أمي  من لم اللتقيه ولا اعرف ملامحه ولا صوته.

و اقدم حبه على  هذي التي اراها و اللمسها ..  تحضنني ليل نهار و تتكبد لأجلي صعوبات و تضحي لأجلي اعظم التضحيات

و ادفن قلبيي في قلبها كل يوم … بالنسبة لي كطفلة و مراهقة  كانت امي احب الخلق لي ..هذي هي الحقيقة وقتها.

كان ادراكي وقتها  يحكم على التواجد و الاثر.. بانه لا بد ان يكون ملموس  بالحواس ،  لم تكن البصيرة والروح والايمان بعمق كافي ل اعرف ان البصيرة ترى ما لا يراه البصر ..وان حضور غائب عن عيني ..

قد يفوق حضور مليون حاضر امامي .ويحيلهم رغم تواجدهم الى غياب .

قراءتي وقتها   لحديث الرسول الكريم ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين )
اوقعني في مأزق و  اخافني و ازعج خاطري ان امي كانت احب الي من الرسول .. وان اجبر التعليم و التلقين   لساني على ترديد غير  ذلك .. وخوفي الداخلي منبعه حديث نفسي بأني  حتى الان لا اعتبر مؤمنة وفق الحديث الشريف . ..

لو كنت كبيرة على نحو كافي ..لعرفت ان عظيم تصديقي و تأثري بهذا الحديث و قلقي و خوفي

هم دلائل عظيم اثر و تواجد الرسول فيني

لا اعرف كم عدد الذين اختبروا  مأزق الحب هذا …لكن وفق معايير تربيتي الحنونة الصارمة .. فأن قولي يجب ان يطابق فعلي وكلاهما (القول و الفعل ) يجب ان يكون دوما صادقا في كل امر وظرف ومكان وزمان  .

.

لم اضع حب الرسول كسؤال في حياتي … لكني رحت اجمع الحقائق التي تؤيد ان يكون الرسول

احب الخلق في قلبي متقدما على امي و اسرتي و نفسي .

 خدمني كثير اني في وقت مبكر  جمعت قلبي و عقلي و روحي كفريق واحد يفسر لي الأمور دوماً ….بطبيعة الحال تخبطت  كثير و أخطأت  باعتباري مراهقة تحاول ان تشق لها طريق المعرفة …. كنت اتبع دون ان اعرف المنهج الاستدلالي  كنت اتقصى مدى وجود و  تأثير الرسول على حياتي وتصرفاتي ..كانت اطرح سؤال على نفسي من قبيل ( ما اثر الرسول على اني احسنت التصرف في هذا الامر ..او اسئت التصرف في هذا الامر ) و كنت ابحث عن ما قاله من احاديث  ..او نقله الصحابة من أفعال الرسول الكريم في شيئ مشابه .. لم يكن تتبعي للحقيقة وقتها  قادر على الإحاطة بكثير من اقوال و أفعال الرسول الكريم .كانت مصادري محدودة …و قلبي و  عقلي محدود  ايضاً ، لكن المؤكد المطلق ان في كل ما بحثت وجدت أفعال و اقوال الرسول ينطبق عليها وصف الله له 

(لعلى خلق عظيم ) .

كنت اتفقت مع نفسي أني حين لا اجد جواب شافي  ..اعود للبحث عنه مرة أخرى في القرآن  ف الحقيقة موجودة فيه

على نحو مؤكد .. لكنها تحتاج التركيز والبصيرة  ل اجد حقيقة امر معاصر جدا مثلا ..مستتر في كلمات آيات نزلت قبل 14 قرن .

دوماً كنت في حالة دهشة و شعور بالإعجاز من الكم الهائل من التجدد والنمو في الادراك في كل مره نعود لقراءة القرآن و السنة  .

قراءة القلب لا اللسان .. كانت آيات الله عن الرسول عديدة …و كلها معجزً  وافي  تصف الرسول 

و تحبب اليه و تدعو للاقتداء به ..وحبي له عظيم ويتعاظم يوما بعد يوم ..لكن امي متسيدة على عرش قلبي  .

انا  مؤمنة ان لكل قلب شفره تستطيع كلمات خاصة أن تفتح  به مدارك الفهم  في الروح و تستقر بوقع ثابت دائم في لب القلب ..كنت ماضية مستمرة  في قراءتي. ليتكون لي فهم إضافي  ، و انتظار فتح البصيرة لي لأصل  للحقيقة 

الوصول للحقيقة مثل الدعاء …يتطلب اليقين و الاستمرار ..

إلى ان  كان يوم من أيام خلوتي في بستان القرآن ..و المفارقة انها بعد ان امضيت ساعة صاخبة بكثير من الموسيقى والرقص الرياضي  ..و كنت  اقرأ  بهدف السكينة والراحة لا البحث والتقصي ..كنت اتلو الآيات بتروي متعمد حتى انشر هدوء و سعادة القران في ارجائي  .. آيات سبق أن عانقت عيني مراراً  ..لكن  لكل امر توقيت  .. شاء الله وقتها  ان يفتح قلبي للمعنى  و  البصيرة أن تتيقظ .. يشبه الوصول للحقيقة ..شعور القلب  بتفتح الورود دفعة واحدة في  مروج ملء الأفق  ..باستقامة السنابل دفعة واحدة بأتجاه  السماء  في حقول لا نهاية لها  ..

كان اقرأ بدهشة و كأنها المرة الاولى لي

(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ )  ( العمران 164) .

قــّدر  قلبي  على الفور ان هذه الآية حوت مفتاح الحقيقة بالنسبة لي  و أ نها المقدرة في القرأن لمثل قلبي ليحب الرسول و يقدمه على امه ونفسه  و اهله و ماله …اعتقد اني وقفت عندها بدهشة و لفترة طويلة ..وفتحت التفاسير المتوافرة  لأعرف اكثر عن الآية ..فوجدت التفاسير تصف القليل جدا مما وقع في قلبي في فهمها ..بالنسبة لي قول العظيم (مِنْ أَنْفُسِهِمْ )…كل تلك الكتب و التفاسير  التي  قراءتها ..كل تلك الاجتهادات الكبرى من أئمة و علماء دين (جزاهم الله الخير والجنة ) كل ذلك منافع لي و معرفة ..لكن كلمة واحده في القرآن فاقت اثرهم جميع و اجلت الحقائق كاملة … الاعجاز العظيم جدا في قول الله من انفسهم ..!!ا ما ابلغها  من كلمة .. رحت اتلذذ بها في قلبي  ..من انفسهم …من  انفسهم ..!!    بكل ابعاد النفس وما تعنيه من افق  و ديمومة و اشتقاق من أعماق  و تتالي مجموع النفس البشرية ..بأبعادها اللغوية والفكرية والروحية والحسية.. بكل ما عنته لي …  وقد لا تعني للأخرين من  المعنى و الأثر و التأثر  ما عنته لي .

هذه الكلمة قفزت بي الى عهد الرسول ..و أتت بالرسول الى عهدنا ..وربطتني به عبر 14 قرن من التباعد المكاني والزماني …و اغترفت كل ما بقلبي من حب لكل مخلوق حتى امي ..وازاحتهم الى الوراء ..واخلت مساحة كبرى للرسول ..ليصبح عن قناعة احب الخلق الى قلبي .

لكل انسان شفرة حب للرسول ..و شفرة قلبي كانت (مِنْ أَنْفُسِهِمْ

حب مثل هذا الحب ..لا يتسيد القلب بقول لسان .. ولا ب ترديد اقوال واناشيد .ليست إلا اقوال

الحب حتى يكون متقدماً كل حب …هو جهد وقول قلب .. و وعي وإدراك ل كيف تسيد هذا الحب

هكذا أحب قلبي .. الحبيب الرسول الكريم محمد …ف كيف احب قلبك الرسول  !!


 

 

 

فضلا أنشر تعليقا

ملاحظة: لا يتم نشر البريد الإلكتروني